الخط العربي..مراحل تطوره وانواعه

الخط العربي
الخط العربي

الفن هو وسيلة لنقل قدرة الشخص على الشعور بالحس المادي للجمال إلى القدرة على الشعور بالمعنى الروحي لذلك الجمال لنفسه. اشتهر الخط العربي بتأكيده على جمالياته ، وهي طريقة لتخزين الأفكار. وتخضع معرفة ضياع الخط العربي الفني الجميل ، وكل أنواع الموارد التي تندرج تحت تصنيفها ، للأصول والمعايير التي تسمح للنظام بالسيطرة على استمراريتها وضياعها ، وحمايتها من الانقراض.

قد قالت العرب قديمًا: الخط أحد اللسانين، وحسنه إحدى الفصاحتين، وقال بعضهم أيضًا: الخطّ لسان اليد، وبهجة الضمير، وسفير العقول ، أما الشعراء فقد تغنى الكثير منهم بالإعجاب بهذا الفن العريق، ومنهم الشاعر أبو الفتح البستي إذ قال:

  • إذا أقسَمَ الأبطالُ يَومًا بسيفِهِمْ وعدُّوهُ مِمّا يُكسِبُ المَجدَ والكَرَمْ كفى قلَمَ الكُتّابِ عِزّاً ورِفعَةً مدى الدَّهرِ أنَّ اللهَ أقسَمَ بالقَلَمْ.

نشاة الخط العربي

يرجع الأصل في نشأة الخط العربي إلى الخط النبطي، ثم ظهرت المدرستان الكوفية والحجازية التي عملت على تطوير هذا الخط ونشره، فظهر في اللغة العربية أشهر خطين وهما الخط الكوفي الذي تميز بالصلابة، والخط الحجازي الذي امتاز بالسهولة، وفي بداية ظهور الخط لم يكن منقّطاً، حتى جاء أبو الأسود الدؤلي ووضع النقاط على الحروف.

مراحل تطور الخط العربي

بعد انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية أصبح الخط العربي يشق طريقًا من الشهرة بين الأقطار والأقاليم، وأصبح هذا الفن يسري في البلاد حتى وصل إلى إفريقيا وبلاد المغرب العربي والأندلس، وقد كان تطوره شديد الارتباط بقوة الدولة أو ضعفها، فيزدهر عند ازدهارها وتخبو ناره عند ضعفها وانهيارها ، ولم يتمكن العلماء اليوم من الوصل إلى شيءٍ من الخط العربي في عصر صدر الإسلام ولا في العصر الراشدي، بل إن أول ما احتفظوا به إلى اليوم من كتابات يعود إلى العصر الأموي في العراق، وهو نقش على سفح جبل صخري منخفض قرب مدينة كربلاء.

كان الخط في تلك المرحلة لا يتفرع إلا إلى قسمين، قسم في دمشق وما جاورها يتميز باللين، وقسم آخر في العراق شديد اليباس والحدة، ولا سيما في صك النقود، وخير مثال على ذلك الدرهم الخاص بالثائر قطري بن الفجاءة، والذي نقش عليه “لا حكم إلا لله”، إذ كتب بخط تطور فيما بعد إلى الخط الكوفي بأنواعه، واستمرَ الأمر على هذا النسق حتى نهاية الدولة الأموية، إذ اعتمد الخط الذي يعرف بالكوفي اليوم خطا رسميًّا للمواثيق والنقود، وبعد أن تأسست الدولة العباسية يمكن القول إن الخط العربي لم يتغير كثيرًا عن سابق عهده.

أما المنعطف الكبير الذي استطاع أن يكونَ بداية للمسيرة الكبرى في تاريخ الخط العربي هو ظهور ابن مقلة في القرن الرابع الهجري، فهو الذي أسس لظهور ما يسمى بالقلم الكوفي المتطور عما كان يُكتب فيه المصحف في القرن الثالث الهجري، ويعود إليه تأسيس قواعد خط الثلث الذي يعدُ أفخم الخطوط وأهمها. ويتميز الكوفي المتطور بميزات أكثر لينًا واستدارة من سابقه، كما أن خط الثلث يعد خطا كامل اللين، على النقيض من الخط الكوفي الذي يعتمد اليباس والزوايا المستقيمة.

أهمية الخط العربي

للخط العربية أهمية تجعل منه داعمًا للحضارةِ في البلاد العربية، ومؤسسًا لكل جمالٍ نطوي في تراثها، وفيما يأتي بعض اللمحات التي تبيّن أهميته:

1. علم وفن في آن واحد

فهو فن له ضوابطه ومفاهيمه وتاريخه، وهو الآلية التي تُكتب بها الحروف العربية، وضرب من ضروب الفنون التشكيلية، وجزء من حضارة الأمة العربية وتاريخها، لأنه يرمز إلى الجماليات التي تُبرز الآيات القرآنية والزخارف الإسلامية بوضوح وتميُز، ففي فنِ الخط العربي تسمو قيمة المضمون بسمو قيمة الشكل، فهو دليل الأمة الناطق بلغتها، وأداة الاتصال التي تربط ارتباطًا وثيقًا بين فكرها وطرق التعبير عن ذلك الفكر.

2. باب من أبواب الرسم

يعد فن الخط العربي شكلًا من أشكال الرسم، حيث يخلد ذلك الرسم وجود الحروف عبر الزمن بطريقة فنية تتسم بالجمالية من خلال الأعمال الفنية كاللوحات والتحف اليدوية، ويسعى ذلك الفن إلى بلورة الانفعالات بواسطة رؤية جمالية تختلف عن الرؤية العلمية في بقية العلوم، إذ يكادُ يكونُ امتزاجه بين العلم والفن هويّة متميزة لا تتأتى لغيرهِ ، ويمكن القول إنّ أول من سلط الضوء على أهمية الخط العربي وضرورة حفظ الحروف والكلمات في خطوط رمزية معينة هو القرآن الكريم، فقط قال الله عز وجل في كتابه العزيز: {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فالقرآن أول مضيءٍ لمنارة الخط العربي في الميادين المختلفة، وأول من أوقد شعلة هذا الفن بالقسم الذي أقسم الله عز وجل به مما أبرز أهمية القلم والكتابة وتوثيق العلم بالكتابة.

أنواع الخط العربي

الخط العربي
انواع الخط العربي

كل نوعٍ من أنواع الخط يختلف عن الآخر بميزاتٍ وضوابط، قد يشبه بعضها بعضًا كما في خط النسخ وخط الثلث، وقد يختلفُ اختلافًا شاسعًا كالفرق بين خط الرقعة والخط الديواني، وفيما يأتي لمحة عن أنواع الخطوط العربية:

خط الرقعة

يعود الاهتمام الأول بخط الرقعة إلى عهد الدولة العثمانية، وعلى الأخص عهد السلطان سليمان القانوني، إذ اشتهر في زمنه عدد كبير من الخطاطين الذين سطروا نِتاجهم إلى يومنا هذا، منهم الخطاط هاشم البغدادي، والخطاط محمد عزت، وعبد الحميد الأول وممتاز بك، ويعد خط الرقعة من أبسط الخطوط وأبعدها عن التعقيد، ويمكن أن يكون الأساس الذي يستطيع الدارس للخط العربي أن يبدأ به التعلم، لأن قواعده لا تتميز بالصعوبة في المقاييس خلافًا لغيرهِ من الخطوط، إنه خط لا توجد فيه زخرفة ولا تكلف، وقال بعضهم إن سر تعلّم هذا الخط هو إتقان أحرف أربعة، هي النون والعين والباء والألف.     

الخط الكوفي

لا شك أن الباحث حين يسأل نفسه “لماذا سمي الخط الكوفي بهذا الاسم؟” فسوف يعود به التاريخ إلى الكوفة التي منها نشأ الخط الذي تميز باليباس كما تقدم، وهو خط تستخدم فيه اليوم الأدوات الهندسية من مسطرة وفرجار وغيرها لإبراز الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة التي يكتب بها، ويتميز بقدرته على التشابك والضَفر، ويستخدم في تزيين المساجد بالآيات أو الأحاديث، وذلك لسهولة تعلمه وسرعة الكتابة به.

الخط الديواني

الخط الديواني هو الخط الذي كانت تكتب به الوثائق الرسمية في العهد العثماني، واختص هذا الخط بكتابة الوثائق السلطانية والملكية مثل الأوامر التي تتعلق بتعيين المناصب الرفيعة وغير ذلك، وإتقان الخط الديواني لا تتأتى إلا بالممارسة الطويلة لما فيه من كثرة الانحناءات والميلان في الحروف، وزيادة طولها وقصرها حسب قواعد مضبوطة ، وقد تفرع عنه الديواني الجلي الذي يعود تأسيسه لأحد رجال الفن في الدولة العثمانية، ويدعي “شهلا باشا”، واشتهرَ فيه من الخطاطين المحدثين مصطفى غزلان بك.

خط النسخ

هو الخط الذي اعتمد لكتابة المصحف حتى يومنا هذا، وقد اختلف العلماء في أصوله، فهل هو مشتق من خطوط أخرى باجتهاد ابن مقلة، أم أن تاريخ نشأته يعود إلى أبعد من ذلك؟ لكن الثابت أن ابن مقلة قد أجرى تعديلاتٍ عديدة على هذا الخط حتى يستقر بشكله المحدد، وصنفه بأنه مناسب للقرآن الكريم، ثم أتى من بعده الخطاط الشهير ابن البوّاب، فأتمَّ قواعد هذا الخط لما هي عليه اليوم.

خط الثلث

سمي خط الثلث بهذا الاسم لأنه يكتب بثلث القصبة، وتتغير فيه المقاييس وتتعدد وفقًا لحركة القلم، ويعد أصعب الخطوط جميعها للسبب ذاته، فينبغي على المتدرب عليه أن يحسن التحكم بميَلان القصب أو القلم ليستطيع استخدام مقدارٍ معيّن من مساحته على الورق، وأول من وضعه هو الوزير ابن مقلة، ثم تسابق الخطاطون من بعده لإبراز قدرتهم على الكتابة بواسطة قواعده، ويقال إن الخطاط لا يعد خطاطا إذا لم يتقن هذا النوع من الخطوط.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى