هجرة الرسول عليه السلام سنة622م

هجرة الرسول

*ماهي اهمية هجرة الرسول عليه السلام

اشتدّ إيذاء قريش في مكة المكرمة لرسول الله وأصحابه، واستخدمو كل ما يمكنهم استخدامه من أجل دفع الرسول عن الدعوة إلى الله، وقد بُنيت جميع محاولاتهم على جهلٍ منهم وعدم فهمهم لحقيقة الدعوة، كما حاولوا قتله -عليه السلام- أكثر من مرّة، ولكن الله عزّ وجلّ نجاه منهم، وحاولوا أيضاً منع الصحابة من رسول الله، فكان الإذن من الله لهم بالهجرة من مكة الكرمة إلى المدينة المنورة، وتعدّ هذه الهجرة ولادة جديدة للإسلام والمسلمين، وانطلق المسلمون فيها للدعوة بعدما عاشوا الحصار، وفهموا أن تغيير المكان والناس سيؤدي إلى نجاحٍ كبير في انتشار الإسلام، بعدما انحصر هذا الانتشار مدة ثلاثة عشر عاماً في مكة، وكان هذا الإذن لجميع القادرين من المسلمين، فلم يبقَ منهم إلا القليل، وخرجوا من مكة بعضهم متسللاً باليل، وبعضهم على الملأ بالنهار، ورغم ذلك فقد كانت تعلم قريش بخروجهم.

وتعدّ الهجرة من مكة إلى المدينة حدثاً هامّاً بالنسبة للمسلين، لما فيها من بداية وجودهم وتأثيرهم، ولم تكن بالنسبة إليهم مجرد هروب من العدو الذي كان يهاجمهم، ومن الهجرة أيضاَ اتخذ المسلمون بدايةً للتاريخ الإسلامي، وفي الهجرة النبوية دليل على حسن إسلام الصحابة وإيمانهم، وانقيادهم لأمر الله، وكمال عبوديتهم له، ومحبتهم لله -تعالى- ولرسوله -صلّى الله عليه وسلّم-، كمل تدلّ على صلاحهم، وفيها تحقيق لوعد الله لهم بالنصر، والتفريج عنهم، والفوز بالجنة.

*كيف كانت احوال المسلمين قبل الهجرة

سرد القصة يقتضي وجوبًا ذكر الأسباب التي دفعت النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للهجرة إلى المدينة المنورة، فقد عاشَ المسلمونَ وكلّ من آمن بالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حياةً قاسيةً في مكّة، وقد استغلّ المشركون أنّ أولّ من آمن برسول الله هم العبيد والضعفاء إضافةً للقليل من الأشدّاء، وكان كفار قريش يسومونهم سوء العذاب ويذيقونهم مرّ الحياة، و قد مرّ الرسول يومًا ورأى في الأرجاء آل ياسر يعذبّون ويُضربون، وروى جابر بن عبد الله عنه أنّه قال: “صبرًا آل ياسرٍ ، فإنَّ موعدَكم الجنةُ”،[٤] وسيدنا بلال الحبشي الذي وضعت الصخرة على ظهره تارةً، وعلى بطنه تارةً أخرى حتّى يرتدّ عن دين الإسلام، ولم يسلم حتّى رسول الله من أذى المشركين عامّة، ومن أبي لهبٍ وزجته على وجه الخصوص، وفيهما نزلت سورة المسد.

*أين هاجر الرسول عليه السلام

حصل في تاريخ الإسلام ثلاث هجرات، الأولى منها كانت إلى الحبشة، وفي هذه الهجرة هاجر الصحابة دون أن يكون معهم النبي -صلّى الله عليه وسلّم-، والثانية منها كانت هجرة رسول الله وحده إلى الطائف، أراد رسول الله بها أن يجد موطناً آخر ليسلك دعوته فيه، أمّا الهجرة الثالثة فكانت من مكة إلى المدينة؛ وهذه هي الهجرة الكُبرى، والتي من خلالها سلك الإسلام مسلكاً جديداً، وبها قامت دولة الإسلام، وتشكّل مجتمعاً مسلماً مستقراً يضم المسلمين بين جنباته، وقد استعدّ لها رسول الله استعداً كاملاً متخذاً جميع الأسباب، متوكلاً على الله، متأمّلاً بنصر الله له. وحين يُذكر مصطلح الهجرة بإطلاقه فإنه يُراد به هجرة النبي -صلّى الله عليه وسلم- وصحابته -رضوان الله عليهم- من مكة إلى المدينة، ويعدّ مهاجراً كل مَن ترك أهله ووطنه وتبع رسول الله إلى المدينة، بصرف النظر عن موطنه أكان مكة أم غيرها.

  • الهجرة إلى المدينة المنورة

خاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين من أن يُفتتنوا في دينهم، وبخاصة بعد أن ازداد أذى قريش لهم، وكانوا قد كذّبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخرجوه من مكة، وفي ذات الوقت كان عود الدعوة قد اشتدّ بعد بيعة العقبة الثانية، فأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين بالخروج من مكة مهاجرين إلى المدينة، قائلاً لهم: (إنِّي أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكُمْ، ذاتَ نَخْلٍ بيْنَ لابَتَيْنِ وهُما الحَرَّتانِ)، وكانت قريش في هذه الأثناء قد لاحظت النقص في عدد المسلمين، واختفائهم أفراداً وجماعات، فأخبرها أناس لها من الموجودين في المدينة بهجرة المسلمين إليها، ومن ذلك ما قام به أبو جهل وأخوه الحارث لأخيهما من أمهما عياش ابن أبي ربيعة، الذي كان قد أسلم وهاجر، فلحقوا به وأخبروه أنّ أمّه تنازع الموت وتريد أن تراه، فانخدع بما قالاه وعاد معهما، فأخذوه فقيّدوه ولمّا وصلوا مكة، قالوا للناس: افعلوا بسفهائكم هكذا، وقد حُبس في مكة لفترة طويلة من الزمن.

يدل ذلك على معرفة أبي جهل بالمكان الذي يهاجر إليه المسلمون، وكانت قريش قد علمت بخطورة الأمر إن تحقق مُراد المسلمين بانتشار الإسلام، فمن جانب أنّ كل واحد من زعماء قريش كان له أخ أو ابن أو ابنة أو قريب من المهاجرين، مما زاد كره الإسلام في قلوبهم؛ هو السبب الذي دفع إلى التفريق بينهم، ومن جانب آخر يبقى حب الأقارب فطري في قلوبهم، فكان من الصعب عليهم تقبّل فكرة اختلافهم مع أقاربهم وتفرّقهم عنهم، كما خافت قريش على مكانتها التجارية بين القبائل في الجزيرة العربية، فقد كانت تستغل مواسم الحج في تجارة الأصنام والخمور وغيرها مما حرّمه الإسلام، فالإسلام يشجّع الحج ويحرم هذا النوع من التجارة، ولو انتشر الإسلام سيؤدي إلى انهيار التجارة عندهم، وقد قريش تعلم أنّ هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة من أجل إقامة دولة كاملة الأركان، ولم يكن هذا الانتقال لفترة مؤقتة، ولذلك فلو عاد المسلمون إلى مكة المكرمة بعد هذه الهجرة، ستكون القوّة والمنعة لهم، ولن يرضى المسلمون في هذا الحال أن يبقى أهل مكة على ما هم عليه من عبادة الأصنام، وإنّما سيكون الهدف بتحويلهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده، وبالتالي سيأخذون الحكم من زعماء قريش، وممّا زاد خوف قريش من الهجرة إلى المدينة بالذات، أنّ أهل المدينة وسكانها كانوا الأوس والخزرج، وقد كانوا يتمتعون بالقوة والعزّة.

اجتمع أهل قريش في دار الندوة، ودخل معهم إبليس بهيأة شيخ من أهل نجد، يتشاورون فيما بينهم في أمر محمّد، فكان الإجماع على قتله، فأوحى الله -تعالى- لرسوله بفعلهم، وأمره جبريل أن لا ينام في فراشه في الليلة القادمة، فأمر رسول الله علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه ويغطي نفسه بغطاء رسول الله، وخرج رسول الله من بينهم، فألقى عليهم تراباً فأعمى الله أبصارهم عنه، فلم يره منهم أحد، وخرج رسول الله مهاجراً وأخذ معه أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- كما أمره جبريل -عليه السلام-، واستأجر عبد الله بن أريقط دليلاً على الطريق، وعامر بن فهيرة ليكون خادماً له، وقد فرح أبي بكر الصديق فرحاً شديداً لمّا أخبره رسول الله بأنّه سيكون رفيقه في الهجرة، وقال لصاحبه: الصحبة يا رسول الله، وبكى، وأحضر ناقتين كان قد جهزهما، وانطلق هو وصاحبه والرجلين الذين استأجرهما، وتوجهوا إلى غار ثور، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يأتي لهما بأخبار أهل مكة، وأمر عامر بن فهيرة أن يأتي بالأغنام ويرعاها على الطريق، حتى تطمس آثار الأقدام، وأمر ابنته أسماء أن تأتي لهما بالطعام والشراب، فلما وصلا الغار طلب أبي بكر من رسول الله أن يدخل الغار قبله لكي يتفقده، ففعل ولما تأكد من سلامته أخبر رسول الله أن يدخل فدخل، فبعث الله عنكبوتاً لينسج خيوطه ما بين باب الغار والشجرة المقابلة له، وأمر حمامتين لتأتيا وتجلسان، حتى يحمي رسول الله وصاحبه.

وبدأت قريش تتبع النبي وصاحبه، وأخبرت الناس بذلك، وجعلت مئة ناقة لمن يعثر عليهما، ووصلوا إلى باب الغار، وما كان منهم إلّا أن ينظر أحدهم إلى موضع قدميه فيرى رسول الله، لكنهم أبعدوا احتمال أن يكون الرسول في الغار بسبب وجود الحمامتين وخيوط العنكبوت، وبينهما هما في الغار إذا قال أبي بكر لرسول الله: (يا رَسولَ اللَّهِ، لو أنَّ أحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قالَ: ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)، ويقول تعالى: (ثانِيَ اثنَينِ إِذ هُما فِي الغارِ إِذ يَقولُ لِصاحِبِهِ لا تَحزَن إِنَّ اللَّـهَ مَعَنا)، وبقي رسول الله في الغار ثلاثة أيام، ثم أكمل طريقه، فأخذه عامر بن فهيرة من طريق الساحل، أمّا سراقة بن مالك فقد طمع بالجائزة التي جعلتها قريش لمن يعثر على محمد، فتبعه، فلما اقترب منه المرة الأولى غرزت أقدام فرسه في الرمال، وكذلك الثانية والثالثة، فعلم أنهما محفوظان بحفظ الله، فنادى عليهما وطلب منهما الأمان، ووعده رسول الله بسواري كسرى إن أخفى خبرهما، وكتب له بذلك كتاباً، وعرض سراقة على رسول الله الطعام والشراب فرفض، ولم يطلب منه سوى أن يخفي الخبر، وفي طريقهم مرّوا على أم معبد، وكانت عندها شاة قد جفّ ضرعها، فمسح رسول الله على ضرعها، وسمّى ودعا، فدرّت اللبن، فسقى أم معبد وشرب هو ومن معه، وأعاد تعبئة الإناء مرة ثانية، فلما عاد أبو معبد سألها عن اللبن، فأخبرته بما حدث ووصفت له رسول الله، فعلم أنّه الرجل الذي تتحدث عنه قريش، أمّا رسول الله فسار حتى وصل قباء، وكان ذلك في يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول،وتحقق وعد النبي لسراقة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى